عبد الله بن أحمد النسفي

64

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 21 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) وقوله تعالى : لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً « 1 » لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً « 2 » إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي إنّ اللّه قادر على كلّ شيء ، لمّا عدّد اللّه فرق المكلّفين من المؤمنين والكفّار والمنافقين وذكر صفاتهم وأحوالهم وما اختصت « 3 » كلّ فرقة ممّا يسعدها ويشقيها ، ويحظيها عند اللّه ويرديها أقبل عليهم بالخطاب ، وهو من الالتفات المذكور فقال : 21 - يا أَيُّهَا النَّاسُ قال علقمة « 4 » : ما في القرآن يا أيها النّاس فهو خطاب لأهل مكة ، وما فيه يا أيها الذين آمنوا فهو خطاب لأهل المدينة ، وهذا خطاب لمشركي مكة ، ويا حرف وضع لنداء البعيد ، وأي والهمزة للقريب ، ثم استعمل في مناداة من غفل وسها وإن قرب ودنا تنزيلا « 5 » منزلة من بعد ونأى ، فإذا نودي به القريب المفاطن فذاك للتأكيد « 6 » المؤذن بأنّ الخطاب الذي يتلوه معني به « 7 » جدا ، وقول الداعي « 8 » يا رب ، وهو أقرب إليه من حبل الوريد استقصار منه لنفسه واستبعاد لها عن مظان الزلفى ، هضما لنفسه وإقرارا عليها بالتفريط مع فرط التهالك على استجابة دعوته ، وأي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام ، كما أنّ ذو والذي وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل . وهو اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهامه ، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يصح « 9 » المقصود بالنداء . فالذي يعمل فيه يا أي ، والتابع له صفته نحو يا زيد الظريف ، إلّا أنّ أيا لا يستقلّ بنفسه استقلال زيد فلم ينفك عن الصفة ، وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لتأكيد معنى النداء وللعوض عما يستحقه أي من الإضافة . وكثر النداء في القرآن على هذه الطريقة لأنّ ما نادى اللّه به عباده من أوامره ونواهيه ، ووعده ووعيده ، أمور عظام ، وخطوب جسام ، يجب عليهم أن يتيقظوا لها ، ويميلوا بقلوبهم إليها ، وهم عنها غافلون ، فاقتضت الحال « 10 »

--> ( 1 ) الأنبياء ، 21 / 17 . ( 2 ) الزمر ، 39 / 4 . ( 3 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) به . ( 4 ) علقمة : هو علقمة بن قيس بن عبد اللّه بن مالك النخعي ، أبو شبل ، تابعي كان فقيه العراق روى عن الصحابة وتوفي بالكوفة عام 62 ه ( الأعلام 4 / 248 ) . ( 5 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) له . ( 6 ) في ( ز ) للتوكيد . ( 7 ) في ( ز ) معتنى به . ( 8 ) في ( ظ ) الداعين . ( 9 ) في ( ز ) يتضح . ( 10 ) ليس في ( أ ) الحال .